الأربعاء، 25 يوليو 2012

صور من مصر التي أعرفها

هكذا قررت أن تكون المرحلة القادمة في عمر هذه المدونة والذي لا يعلمه إلا الله.
أبحث في نهار صيامي عن صور من مصر في الخاطر والقلب والذكريات القريبة والبعيدة وأستمتع بتقريب الصور وتجميعها حتي لا أنسي مصرالصورة  الحبيبة في غمرة ما نمر به هذه الأيام، لكن لنجعل لنا بداية.

(1). الأسكندرية ... معالم وآثار صنعتني



      الأسكندرية التي عرفتها يوم صدرت عني أول صرخة تعلن وجودي بالحياة ومنذ ملأت أنفاسي رائحة البحر و تفتحت عيناي علي الصور في عمارة فتح الله بمنطقة رأس التين في حي بحري والتي كنا نطل منها علي قصر رأس التين وهو من أجمل القصور الملكية التي يمكن أن تراها. 

ملامح عامة:
هي مدينة تعرفها أكثر، إذا أردت، في أحيائها القديمة حيث يعيش الأهل منذ سنوات أبعد من سنوات الحرب الأولي وربما بعضهم يعيش جدوده هناك من زمن دخول سفن الإنجليز خليج أبو قير. 
الأسكندرية مدينة لا تعرف صورتها الحقيقية في  وجوه رواد الصيف، الضيوف القادمون من الضواحي والمصيفون القاهريون، الأسكندرية تعرفها من طراوة ضحكة ناسها رغم دمدمة رياح الشتاء علي رصيف البحر ورغم زخات المطر الغزيرة في معظم أيام الشتاء وما تسببه من صعوبات في التنقل، وتعرفها من وجوه شيوخ الصيادين وهم يفترشون رمال الجزء اليسير من خليج الميناء الشرقية، تداعب أصابعهم المتحجرة خيوط الغزل ومغازل شباكهم الخشبية تذهب وتأتي بسرعة ودربة لترقيع الشباك المهترءة، للشيوخ دائماً حكاوي ناقصة وغير مفهومة ربما لأنها تضرب في عمق التاريخ الشديد الخصوصية للأسكندرية. 
الأسكندرية لن تعرفها إذا لم تكن من الذين يصحون فبل الشمس وقبل أول ضوء يستطلع الأرض والخلق الذين تركوا فرشهم مبكراً للحاق برزق الله، ولا تعرفها أيضاً إذا لم تكن من محبي السهر علي كورنيشها فهي مدينة لا تنام الليل وتصحو مبكراً.
الأسكندرية لا تعرفها إذا لم يتلق وجهك صفعات موج البحر في صباح نوة من نوات البحر الشديد الغضب، و يذق حلقك طعم الملح وتلفح أنفاسك رائحة اليود الطازج علي شاطئها، ويفوتك بهائها إذا لم تمد يدك لتلمس ركامات رمادية تبدو قريبة منك وأنت تركض علي كورنيش الميناء الشرقية بأول ساعات الصباح لتلحق مدرستك قبل جرس الطابور تلفك الأجواء الكابية لسماء الشتاء السكندري المتجهم. الشتاء فقط يكشف لك عن أحلي ما في صورة الأسكندرية الجميلية لكن للصيف أيضاً لمحات لن تنساها لتلك المدينة الأنثي التي تنزل إلي البحر مع الفجر تستتر من عيون الأغراب، مشهد ربما لا تراه إلا في الأسكندرية وفي حي بحري علي وجه التحديد حيث أسر الشارع الواحد تتجمع بعد الفجر لكي تتمكن النسوة من نزول البحر في حرية بعيداً عن زحام النهار وعيون المصيفين الأغراب، هو مشهد يحمل كل ما رسمه محمود سعيد عن الأسكندرية ذلك العبقري من رواد فن التصوير الزيتي المصريين والذي ولد بالأسكندرية وعاش في حي بحري رغم أنه كان ابن باشا لكنه أحب بحري والأسكندرية.

جغرافيا في القلب:
ثم إنك إن تركت بحري واتجهت شرقاً تمرأولاً بمكان لابد أن يستوقفك وهو قلعة قايتباي (ونسميها في الاسكندرية الطابية) المكان لابد أن يلفت نظرك لتفرده، حيث هي جزيرة تمتد إصبعاً عملاقاً في عمق الخليج الذي يكون الاسكندرية ويعلم الكثير أن هذه القلعة بنيت علي أنقاض منارة أسكندرية البطالما التاريخية. ثم تمر في طريقك شرقاً بالميادين المشهورة في طريقك، تجد المنشية  في البداية ولكن قبلها تجد ميداناً صغيراً جداً لا يلقي إليه بالاً معظم من ليسوا من بحري رغم أهميته وهو ميدان المطافي وكانت قديماً تبدأ منه رحلة ترام الأسكندرية ذو الدورين الشهير، خسارة أن الأسكندرية لم تستطع الحفاظ علي هذا المعلم النادر للمدينة، ثم تمر في طريقك شرقاً بمنطقة محطة الرمل وقد تستمتع بالجلوس مراقباً تفاصيل تمثال سعد زغلول والحوريات الفرعونيات المنحوتات تحته، هذا التمثال الذي صنعه عبقري مصري آخر هو محمود مختار رائد فن النحت المصري المعاصر وأحد المخلصين بشدة لثورة 1919م، فإذا جلست تحت التمثال وواجهت البحر يكون علي يسارك مبني فندق كان فيما قبل فندق سيسيل الشهير، وهذا الفندق شاهد علي تاريخ كبير حيث ارتاده عدد من المشاهير ومنهم اللواء محمد نجيب أول رئيس جمهورية لمصر، وينستون تشرشل رئيس وزراء بريطانيا العظمي، وفيلدمارشال مونتجمري قائد القوات البريطانية في معركة العالمين ومن الأدباء نزلت به أجاثا كريستي المؤلفة البريطانية الشهيرة ومن الرياضيين العالميين نزل به محمد علي كلاي بطل الملاكمة الأمريكي
ثم يقابلك بعدها بقليل مسجد القائد إبراهيم أشهر المساجد بعد ثورة يناير 2011م والذي لا يعرف الكثيرين أن من صممه هو مهندس من أصل مسيحي إيطالي كان يعيش في مصر واعتنق الإسلام وتخصص في عمارة المساجد وأعاد عمارة مسجد المرسي أبو العباس قبل أن ينجز رائعته المعمارية في مسجد القائد إبراهيم. 
ثم إذا تعمقت شرقاً تجد ميدان السلسلة والتمثال الشهير عروس البحروالذي يتعرض للإهمال الشديد ويبدو أنه في طريقه للانهيار، هذا التمثال العلامة هو من عمل المثال فتحي محمود سنة 1968م. حينما تقف تواجه التمثال والبحر من وراءه اعرف أن هنا كانت تمشي الملكة كليوباترا حيث كان قصرها في هذه المنطقة المسماة حالياً بالسلسلة - رأس لوكاسيوس قديماً- ثم إذا اتجهت بعد ذلك ناحية شارع بورسعيد ثم منطقة الحي اللاتيني القديم تجد في طريقك منطقة مقابر الروم الكاثوليك واللاتين تشهد علي قلب مصر النابض بخضرة السماحة والمسالمة والجوار في العيش والموت بهذه الشياكة والفخامة تماماً كفخامة المقابر نفسها، ثم إذا تجاوزتها فتجد بعدها بقليل مباني كلية سان مارك الشهيرة (افتتحت منذ 1928م) وأتعجب لماذا أهملت مصر هذه الكيانات التعليمية أن تكون قبلة لعظماء العالم كما كانت من قبل، تخرج من سان مارك الكثير من مشاهير التاريخ كان منهم الدكتور عصمت عبد المجيد أمين عام جامعة الدول العربية السابق، واتعجب أن يصل الإهمال إلي طمس هوية مؤسسات تعليمية أخري لا تقل تاريخاً وشهرة، بدلاً من استثمار وتسويق تاريخها  العريق، وتمثل مأساة دمج كلية النصر (1935) ومدارس الليسيه (1909) في المدارس التجريبية قمة هذه الغيبوبة، تخرج من كلية النصر ملوك دول شقيقة وغير شقيقة وفنانيين معروفين كان من طلابها الملك حسين بن طلال ملك الأردن وكانت من خريجاتها الملكة صوفيا زوجة ملك أسبانيا وكان منها ممثل بحجم عمر الشريف وأحمد رمزي وكثير من السياسيين، وكلما تمر علي هذه المعالم يقفز السؤال لماذا نحرص علي هدم تاريخنا بدلاً من الاستفادة منه؟
ثم تمتد الأسكندرية بعد ذلك أحياء كانت في الماضي نموذجاً للرقي والذوق المعماري والإنساني، وكانت نموذجاً للمدنية والحضارة قبل أن تزحف عليها العشوائية التي أصابت حياتنا كلها في مصر فتحول جمالها قبحاً ورقيها إسفافاً بصرياً يسحق الروح قبل العين. كانت هناك الابراهيمية بفيلاتها الصغيرة المزهرة ثم لوران وشوتس وزيزنيا بقصورها الفخمة والتي كانت أحجارها بما تحمله من ملامح الفن والذوق السليم نزهة للعين  والروح ثم سان ستيفانو بما حمله الفندق القديم من تاريخ لم نستطع الحفاظ عليه كدولة كان من واجبها أن تحفظ تاريخها ولو حتي تحول لمزارات سياحية، للأسف تحولت الفيلات والقصور لمباني أسمنتية شاهقة خالية من أي لمحة فن ولا تجد فيها أي جمال بل زادت المنظر إظلاماً لضيق الشوارع التي تطل عليها وحتي مابقي من قصور أصبح تائهاً ونشازاً بين سيقان الغابة الأسمنتية، وتحول الفندق القديم بسان ستيفانو والذي شهد أجزاءاً من تاريخ الأسكندرية ومصر إلي مجرد مشروع يضيف إلي حسابات خدنة النظام الذي أسقطه الشعب والتاريخ، ولا يضيف للأسكندرية سوي مزيداً من الزحام في هذه المنطقة. ثم تصل في نهاية هذا الخط إلي المنتزه أعظم حدائق الأسكندرية وقصوره الملكية والتي يتحول محيط القصر الآن إلي منطقة شديدة العشوائية تفقد المنطقة تميزها الذي حافظت عليه سنوات. لقد تحول الوجه الحضاري الشديد الأناقة للأسكندرية علي مر سنوات كثيرة إلي وجه شديد الندب والحفر والبثور، تحول التنظيم الشيك في الأحياء والطرق والميادين إلي عشوائية  تشبه لوحات يرسمها مريض ذهاني.

 صورة لميدان المنشية 1938م  ويظهر تمثال محمد علي يتوسطه - مصدرالصورة : موقع موسوعة ويكيبيديا.
حديث الروح:
لقد تحولت صورة الأسكندرية كثيراً منذ طفولتي حتي يومنا هذا، لكن الأسكندرية بجمالها وأناقتها بقيت في القلب والعقل تماما كالأم مهما شابت وكبرت تظل هي المحبوبة والأم والسكن والراحة لأرواحنا إذا ألم بنا تعب. تظل الأسكندرية شابة في القلب ويظل العقل كلما زرتها يعيد تركيب الصور ويستجمع الأجزاء التي ضاعت ويضعها موضعها في الصورة الجميلة، هنا كانت مدرستي .. وهنا كانت ساعة الزهور .. وهنا كانت أول نزهة ... وهنا كان أول لقاء .. وهنا كان قصر الثقافة بالأنفوشي .. وهنا كان نادي الكشافة البحرية .. وهنا كان نفق محطة الرمل ... وهنا كانت الحفرة التي ابتلعت امرأة وفالوا أنها تخفي تحتها قبر الإسكندر.. وهنا كانت سينما ركس.. وهنا سينما الهمبرا ..  وهنا كانت أول فرحة .. وهنا كان أول انكسار .. وهنا كان مدفن أبي .. وهنا يرقد جدي وهنا جدتي .. وهنا أكلنا .. وهنا لعبنا .. وهنا عشنا سنوات هي الأجمل بكل ماكان بها من الأفراح والهموم لكن الأسكندرية تظل دائما مهرب الروح حين تضيق بنا الدنيا.

د. محمد زكريا الأسود
23 يوليو 2012

 

هناك 5 تعليقات: