الاثنين، 30 سبتمبر، 2013

وعمار يا اسكندرية

 
        هذه مقدمة كنت أعددتها لمشروع رواية بدأته أبوح فيها بكل ذكرياتي عن مدينتي الأم  الأسكندرية. ولأن المشروع ذاك قد يتأخر قليلاً أو كثيراً لأجل لا يعلمه إلا الله فإني أحببت أن أشارك أصدقائي الاسكندرانية تلك المقدمة مجرد قبلة علي جبين هذه الجميلة الرائعة.
مقدمة
عرفت الأسكندرية في زمن به بقية من سحرها وغمرتني في طفولتي بروحها الفريدة وأرتني من الأحداث والاشخاص والحكايا الكثير، وإن لم أعش زمن الرواية  إلا في حكايات أمي و جدتي عن الأسكندرية حين كانت بحق ومصر مناراتين حقيقيتين تحتضنان سمات حضارة وثقافة عظيمة كثيراً ما أفتقدها في أيامي هذه.  
ولقد اختبرت أموراً و أحوالاً بها منذ وعيت وتفتحت عيني، لا أجد لها ريحاً ولا أثراً هذه الأيام. كانت الأسكندرية مازالت تحتفظ بملامح عصر مزهر وتمسك بأثر رائحة لزمن جميل شاهدة علي نفسها بالحب والتعايش العبقري لأطياف وأعراق مختلفة أشد الاختلاف لكنه اختلاف لا تكاد تلحظه حتي العين المدققة لحرص الجميع علي التعايش واستمرار المودة التي تضمن استمرار الحياة نفسها.
وكنت بطفولتي أمر علي تلك الاختلافات دون أن تترك أثراً في علاقتي بأصولها، فالبقال الذي علي ناصية شارعنا بحي بحري يونانياً أو كان يونانياً ولذلك علامة مميزة ترتبط به في ذاكرتي وهي سمكة البكالاه الكبيرة المعلقة علي باب المحل خاصته، وكنت حين أسأل أهو ليس مصرياً؟ فيكون الجواب أنه مصري اسكندراني من أصل يوناني، وبائع الذهب الذي اختارت قريبة لي شبكتها عنده أرميني، هو اسكندراني أرميني، والمحل المغلق دوماً في شارع فرنسا القريب من بيتنا والذي كان يبيع الساعات السويسرسة حسب ما تخبر به لافتته المهترئة يقولون صاحبه كان من يهود حي العطارين، وعندما تفزع عقليتي كطفل وقتها لفظة يهودي يهدئ الجواب من ذعري إنه يهودي اسكندراني، إذاً هو يهودي منا واسكندراني مثلنا ومصري أيضاً لكنه بسبب الضغوط المجتمعية بعد حرب يونية رحل هو وعائلته إلي أوروبا، وترسم البيوت الموازية لخط الترام في منطقة كامب شيزار والشاطبي لوحة اسكندرانية أخري، والتي كثيراً ما المح في شرفاتها سكانها من اليونانيات والإيطاليات وأطفالهن بملامحهن وملابسهن المميزة والمتحررة أيضاً.
حتي بمنطقتنا في بحري كانت أسرة أخ لممثل مشهور تركي الأصل تسكن المنزل المقابل لمنزلنا وكنا نتواد كجيران أبناء بلد واحد وحي واحد ولم يصل لمسامعي مرة واحدة سؤال هل هم مسلمين أم شيعة أو أكراد؟ تلك الأيام لم يكن هناك من يسأل تلك الأسئلة وحتي تلك المسميات لم تكن متداولة بين الناس، وربما لم يخطر علي بال أحد أن يفتش أبعد من كونهم جيراننا المحبين اللطفاء.
ولم تكن تلك الصور هي كل مايصلني من ذلك الزمن لكن ما كان يداخل وجداني من روحه المبتهجة شديدة الثراء، لقد بدء عشقي للفن بتماثيل حديقة أنطونيادس وتفاصيل العمارة الأثينية بمدافن الروم الكاثوليك وروح مصر في حوريات محمود مختار أسفل تمثال زعيم الأمة سعد زغلول بالميدان الكبير المسمي باسمه بعد أن كان ميدان محطة الرمل سابقاً، ومن خلال ذلك بدأ شغفي ومعرفتي بالفن ثم شغفي بالتاريخ. ومعرفتي بالموسيقي بدأت مع سماع اسطوانات السيدة الإجريجية (اليونانية) التي زرت بيتها مرات قليلة مع واحدة من قريباتنا في حي الشاطبي، وقد بهرني الــ "بيك آب" الخاص بتشغيل الاسطوانات وأحزنني بعد هذا بفترة بسيطة أنها كانت تبيع أغراضها ومنها هذا الجهاز الساحر كي ترحل عن الأسكندرية وكان ذلك في بداية السبعينيات.
ويبقي أهم ما سكن روحي من تلك الأيام هو الحب الذي أفتقده كثيراً الآن، لم يكن هذا الخليط يتعايش فقط، لقد كانوا يفعلون هذا بألفة ومحبة، محبة حقيقية للأجواء التي صنعتها المودة والعشرة الطيبة، محبة للروح المنبسطة التي تخلقت من جراء ذلك التسامح العبقري الذي ولد وعاش بالأسكندرية زمناً قبل أن تقتله التغيرات التي طرأت علي مجتمعها منذ منتصف السبعينات.
حكاية كثيراً ما سمعتها في صغري أن أبي رحمة الله عليه حين تزوج هو وأمي أطال الله عمرها سكنا شقة في منزل مالك مصري مسيحي بحي محرم بك قريبة من شارع محرم بك، وكان المالك يسكن في الشقة المقابلة لهما، أسرة مصرية مسيحية كمئات الأسر المصرية الأصيلة تنتمي جذورها لعائلات من ريف أو صعيد مصر، ولم يكن أبي قد اشتري جهاز راديو بعد، وحدث أن حل شهر رمضان عليهما وهما في بداية حياتهما هناك، فكان الجار يفتح بابه قبل الإفطار بساعة ويشغل الراديو عنده علي موجة القرآن الكريم ويرفع الصوت حتي يتمكن جيرانه المسلمين، أبي وأمي، متابعة قرآن ما قبل المدفع ومن ثم ملاحظة أذان المغرب لكي يفطرا في موعدهما، ومثل ذلك كان يفعله الجار الطيب قبل الفجر كي يتنبها لموعد إمساكهما.
وتحكي أمي أيضاً أن هؤلاء الجيران الأفاضل كانوا يمنعون أولادهم، وهم بعد أطفال لا حرج عليهم، من الأكل أو الشرب أمام أبي وأمي وهم صيام في نهار رمضان. وهذه القصة نفسها بتفاصيل تختلف فقط في المكان والأشخاص كنا نسمعها تتكرر بين أسر أخري وفي أماكن أخري من الأسكندرية ومصر كلها من وقت لآخر ترتبط جميعها بخيط واحد، أنها تحكي عن أسر مصرية تعيش إلي جوار بعضها البعض في مزاج من حب حقيقي.
ثم هناك التفاصيل البسيطة التي تأتي دون جهد لتمتزج في المكون الثقافي السكندري وأيضاً المصري، لم تكن سمكة البكالاه المعلقة خارج البقالة مجرد صورة ولكنها كانت ملمح من ثقافة اندثرت مع اختفاء أصحابها من نسيج المجتمع السكندري الرحب المرحب بالآخر، ولم يكن وجود الأروام والأرمن والأتراك والإيطاليين واليهود ترفاً أو مجرد صور تزين المظهر الكوزموبوليتاني للأسكندرية بل مدخلات ثقافية وحضارية تنغرس في عمق الكيان السكندري، كل فريق من هؤلاء جاء بحضارته وأضافها قطعة فسيفساء ملونة لوجه هذه المدينة الرائعة، وكانت تلك الواجهة تعلمنا بإلهام حقيقي ثقافة الاستيعاب وحضارة الاتساع في المجتمع السكندري والمصري علي العموم، ثقافة التعايش وتبادل الود لدرجة الانصهار في نسيج واحد يشكل جوهر وفلسفة الحياة في مصر التي تسمع من آن لآخر من ولدوا بالأسكندرية أو عاشوا بها في هذا العصر يحلمون بالعودة علي ذكري تلك الأيام.
لقد عشت بالأسكندرية وهي بعد تحتضن كل هؤلاء وهم بدورهم يتجاورون ويتوادون بل ويتبادلون الخبرات والثقافات وحتي اللغة، لقد كان جدي وخال لي يتحدثان اليونانية بطلاقة بسبب عملهما مع اليونانيين، أما جدي فكان يتحدث خمسة لغات غيرها أو أكثر وكان ذلك يبهرني أشد انبهار.
ورغم الاختلاف الكبير في التفاصيل الخاصة بكل عرق وجنس من هؤلاء، لم تكن الأسكندرية تضيق بأي من هؤلاء  أو تقصي آخرين من مشهدها بسبب أن منهم أجانب أو آخرين بسبب أن دينهم مختلف، كانت رحابة روح الحضارة العريقة التي تمثلها الأسكندرية واتساع وبسطة الحياة المصرية للكل تجعل هناك المتسع لمزيد من الألفة والتأليف بين خليط من الثقافات والأعراق لكي تستمر العيشة وتستمر الحياة.
د. محمد زكريا الأسود

هناك 8 تعليقات:

  1. الأصل غلاب و بعد زوال قشرة سنين الصدأ تفضل اسكندريه مريه من أصلها و حتى فصلها وأولادها يفضلوا ولاد عز
    مدحت جاد

    ردحذف
    الردود
    1. صديقي الغالي د. مدحت
      ولاد مصر فعلا ولاد عز يا صاحبي، ويارب ياصديقي تزول سنين الصدأ وترجع مصر لعزها. أنا رغم طبيعتي الاكتئابية لكن لسه عندي شوية أمل. تحياتي وتقديري

      حذف
  2. :) ، شعرت أن أول انطباع بعد قراءتي لتلك الصور المتحركة، وهذا الشريط السريع بلون الأبيض والأسود وبرائحة اليود من البحر و حلقة السمك، هو" إبتسامة" ؛ أختزل فيها نفس عميق وتوقيع بعيني على الصور التي رأيتها بين السطور، بمثابة تصديق على ملامح غابرة لمدينتنا الحاضرة. استمر في مشروعك و اجعله يضرب في عمق البحر أكثر ومراكب الصيادين والميناء الشرقية.

    ردحذف
    الردود
    1. أختي الغالية فجر
      دي كانت مجرد مقدمة لحاجات كتير حبيت اتكلم عنها زي ما حسيت بيها. أنا عندي مشروع رواية باشتغل عليه لكن لسه في مرحلة جمع وتوثيق المادة التاريخية لموضوعي. دعواتك وتحياتي.

      حذف